سوريا.. “أحفاد خالد” تكتسح المصائد

صحيح أن مشروع النظام الأخير بمحاولة إشعال الفتنة الطائفية في حمص ومنها إلى مدن القطر السوري كانت ذات تأثير إعلامي واجتماعي واضح، خاصة من خلال التركيز الإعلامي الضخم المدار بآلة النظام والآلة الإيرانية الحليف، لكن العبرة الدقيقة في قياس هذه الحلقة من محاولات النظام المستميتة لمواجهة الثورة الشعبية إنما تقاس بالخاتمة من خلال حجم خسارته بعد استنزافه في المعركة الحمصية وخروج حمص عبر جمعة “أحفاد خالد” وما سبقها وأعقبها بنصرين إستراتيجيين عمقا أزمة النظام.

ففي حلقة زمنية خطيرة تعرض النظام لهزيمة نوعية بعد سلسلة فشل واضطراب متعدد على الساحة السياسية والشعبية عجز فيها عن مجرد إبطاء دفع الثورة المتلاحم والمتصاعد فضلا عن إيقافها.

ولكي نتبين دقة هذه الخلاصة، فلنستعرض هذه الانتكاسات وما يقابلها من نجاح الثورة الميداني في الأسبوعين الماضيين فقط.


حجم القمع الذي مورس على المثقفين والفنانين والتفاصيل التي أدلت بها الفنانة القديرة مي سكاف وعدد من المثقفين، شكل فضيحة ذلك الضجيج الذي حاول النظام أن يسوقه في حوار الداخل المزعوم ”
حوار النظام ينهار والمعارضة تتقدم
كانت عملية الاعتقال والإهانة والشراسة والتحرش الذي نفذ الأسبوع الماضي ضد مظاهرة المثقفين في دمشق مسمار النعش الأخير في حفلة النظام التي قاتل لتثبيت أي صورة لها من حوار دمشق الداخلي برعايته.

فحجم القمع الذي مورس على المثقفين والفنانين والتفاصيل التي أدلت بها الفنانة القديرة مي سكاف وعدد من المثقفين، وبعضهم ممن شاركوا في ما أعلن عنه -كحوار للداخل- كالأستاذ إياد شربجي الذي كتب شهادته وفصل ما تعرض له المثقفون والفنانون من صنوف الإهانة ثم الاعتقال والإحالة على المحاكم المفتقرة لأدنى درجات العدالة، شكلت فضيحة.

هذه الفضيحة السياسية التي صدرت شهادتها من الداخل عرت ذلك الضجيج الذي حاول النظام أن يسوقه في حوار الداخل المزعوم الذي انتهى إلى هذه الوضعية التي تزامنت مع الدليل المتجدد لفشل النظام، وهو المجازر الدموية المكثفة التي ينفذها في كل أنحاء القطر خاصة مدن الكفاح المركزي.

في حين انطلقت في هذه الفترة خاصة نشاطات مركزية لمعارضة الخارج التي التأمت بصورة أكبر وأكثر تركيزا في فعاليات عدة، من أهمها مؤتمر العلماء المسلمين لدعم الثورة السورية الذي قام على شراكة علمية رفيعة بين علماء الشام والعلماء المسلمين.

وأسقط هذا المؤتمر بمباركته للثورة محاولات النظام تصدير خطاب وعّاظه المناهض للثورة إلى المشهد الإعلامي، والتحفيز الروحي لتضحيات ودماء الشهداء، إضافة إلى الفقرات ذات الدلالة العميقة لخطاب الوحدة الوطنية الجامعة الذي تمثّل في مشاركة هيثم المالح برمزيته الوطنية في الثورة وتبادل إعلان التضامن والاتحاد في الرؤية بينه وبين الشخصية التاريخية للحركة الإسلامية في سوريا عصام العطار.

فهذه المشاهد الوحدوية التضامنية دائما تعطي وقودا حافزا لحركة الوحدة الشعبية مع الثورة فضلا عما يعنيه زخم التضامن من علماء المسلمين مع الثورة وتأييدها وإعلان بطلان أي شرعية للنظام في دمشق.

وكانت خطوة الإعلان عن مؤتمر الإنقاذ الوطني بالتزامن في إسطنبول ودمشق وحركة الفداء في القابون التي جسّدها الثوار بنضالهم السلمي خطوة مهمة جدا في تكثيف وحدة الحركة الثقافية المعارضة وتأصيل انتمائها إلى الداخل.

فهنا المشاركة كانت معنوية قوية إثر سقوط عدد من الشهداء الشباب الذين نظّموا مشاركتهم بالتزامن مع إسطنبول لتبقى دمشق والداخل ركيزة الفعل الثوري وقراراه المركزي ومداره الوحدوي.

وكان كافيا أن تنطلق هذه الأجواء للمؤتمر مع الحركة الفدائية في القابون التي تلقت أسلحة النظام بصدورها العارية، فكانت لوحة الافتتاح في إسطنبول لها وقع خاص مع دماء رديفها في دمشق.

ومع ذلك فإن المؤتمر نجح في تكثيف لغة الوحدة الوطنية والمشروع المركزي الديمقراطي القائم على ثوابت الأمة، وكان مهما للغاية تركيزه على حقيقتين، الأولى أنه رديف لحركة الثورة في الداخل ومساندٌ لها وهي الأساس.


المهم الذي رصدنا تأثر النظام ورعبه منه هو تحول التمرد العسكري إلى طلائع متعددة كجيش وطني يُشكّل ركيزة حماية للشعب المدني

والثانية إعادة التأكيد والتلاحم بين الداخل والخارج في رفض أي تدخل عسكري من أي طرف كان على الأراضي السورية، وهو ما صدر وأُكد بلغة جازمة من اتحاد التنسيقيات وتبعهم مؤتمرا إسطنبول للعلماء المسلمين والإنقاذ الوطني.

يضاف إلى ذلك قيام المؤتمر بتركيز البرنامج في الأداء السياسي والإعلامي المساند وتهيئة الأجواء لملء الفراغ السياسي بعد سقوط النظام في حلقة تكاملية تحققها الثورة السورية بين قيادة الداخل ومعارضة المنفى، مع قوة التجسيد لمعاني الوحدة الوطنية ورفض أي شكل من صيغ الانتقام الطائفي الذي تبناه كل أطياف المؤتمر وإعلانهم العام، كمؤشر حاسم لقدرة الشعب على صياغة العقد الوطني الجامع ومستقبله الديمقراطي.

زحف الداخل المذهل متصاعد
مرة أخرى وكما قلنا في التحليلات السابقة فإن كلمة السر التي تصنع الأحداث كانت ولا تزال حراك الزحف الجماهيري المتصاعد والمتوحد والمتزايد التأثير على حالة الدولة وإنهاك النظام، وقد تجدد ذلك من خلال هذا المشهد التفصيلي المهم لرصد الأحداث.

1- شكلت صدارة دمشق خلال الجمعة قبل الماضي لعدد الشهداء مؤشّرا مركزيا لحجم التمدد في حركة الثورة وقوتها وتضامنها بين مدن الثورة، وفي حركة الإعداد لمرحلة الحسم التي ليست بالضرورة مرتبطة بشهر رمضان بل بخطة الاتحاد المركزي للتنسيقيات وحيوية حراكه ونجاحه التصاعدي في خنق النظام.

2- انطلاق مشاركة تاريخية لحمص تُجسّد التفاف مئات الآلاف من أبنائها باعتبارها مدينة مركزية تندفع لصدارة مدن الثورة.

ومع عجز النظام عن مواجهة هذا الانضمام النوعي لحركة الاحتجاج في حمص بعد أن أعجزته حماة واستمرت حركة الثورة متدفقة حتى في المدن التي بادر النظام إلى محاولة سحقها منذ الأيام الأولى كدرعا وبانياس وغيرهما، فقد حاول إيقاف حركة الثورة الجماهيرية وإشعال الفتنة في حمص.

ولكنه واجه فشلا كبيرا إثر تنظيم الثورة لاتحاد الأحياء وتجاوز التوتر بالتنسيق المباشر بين أبناء الطائفتين السنية والعلوية وإصدار بيان مشترك حمّل النظام المسؤولية ثم بيان شباب الطائفة العلوية المُدين للنظام وقوة لغة قيادة الثورة الوحدوية المتمثل باتحاد التنسيقيات وتنسيقية حمص، وهو ما جعل النظام يدخل دائرة استفزاز مجنونة دفعته لارتكاب جريمة حرب جديدة في حمص.

3- حركة الانشقاق المتزايد بين العسكريين المنضمين للثورة وما جرى من مواجهات اتخذها هؤلاء العسكريون كموقف منفرد بالاتفاق مع القواعد الشعبية بتحقيق أعلى درجات حماية ممكنة في ظل الحرب الشرسة على المدنيين، لكن في معزل تام عن الحراك الشعبي السلمي الميداني.

المهم الذي رصدنا تأثر النظام ورعبه منه هو تحول التمرد العسكري إلى طلائع متعددة كجيش وطني يُشكّل ركيزة حماية للشعب المدني ويشجع العناصر العديدة وهي بعشرات الآلاف من الجيش التي لا تخضع للعلاقة الأيديولوجية للنظام على انتهاج هذا الطريق بالانضمام إلى كتائب الضباط الأحرار أو على الأقل رفض قتل المدنيين والخروج من السلك العسكري التابع لقيادة الأسرة الأسدية.


تستمر حركة الافتضاح المركزي للنظام سواء بقتل الأطفال أو ما سربه الجنود بأنفسهم مؤخرا

4- حركة الخروج الضخمة في دير الزور وحماة في جمعة “أحفاد خالد” للوحدة الوطنية والتضامن مع حمص التي بلغت 1.2 مليون متظاهر في هاتين المحافظتين فقط، وهي الرسالة البالغة التأثير في معنى الوحدة والالتحام الوطني بين مدن الثورة السورية، ومن جانب آخر قوة الدلالة على صعود الثورة كما وكيفا إضافة إلى بقية العشرات من المدن والأرياف خاصة ريف دمشق.

5- استباحة الشبيحة لمسجد آمنة في حلب وإطلاق النار من أمن النظام على المصلين وضرب الشبيحة لهم وإهانتهم وقتل أحد شيوخ المسجد بالسلاح الأبيض وما يشكله هذا الانكسار في التوحد التدريجي لحلب مع حركة الثورة بصورة مركزية أكبر وأكثر فاعلية، فضلا عن تصاعد الاحتقان الشبابي ومشاعر التضامن الوطنية التي تحركها ممارسات النظام في حمص وتُجسد مرحلة سقوط النظام أمام المشهد العام للشعب.

السلاح الإعلامي يقصف النظام
وأمام كل هذه الحقائق على الأرض تستمر حركة الافتضاح المركزي للنظام سواء بقتل الأطفال أو ما سربه الجنود بأنفسهم مؤخرا للقطتين مؤثرتين للغاية، وهو تعرية بعض أبناء درعا المعتقلين في بدايات الثورة وسحبهم عبر الحبال وهم عراة على الأرض.

ثم مشهد آخر صور من فوق الدبابات يظهر قيام الجيش الموالي للنظام بقصف مدينة الرستن بالأسلحة الثقيلة دون وجود أي إطلاق نار، بل ولا حتى حاجز بشري، فقط منازل المدنيين تقصف فوق رؤوسهم كإجراء عقابي لمطالبة أبناء الشعب السوري بحريتهم.

وكانت الرسائل الإعلامية التي يوجهها أبناء الشعب لخصومه من خلال ما يرفعونه في المظاهرات معبرة جدا رغم بساطتها، وكان أبرزها الرد على الموقف السيئ المناهض للثورة السورية للأمين الجامعة العربية الجديد نبيل العربي الذي أعلن تضامنه مع النظام في موقف مشين ومستغرب يخدش كرامة الثورة المصرية قبل مشاعر الشعب السوري.

ولكن ردّ المتظاهرين وقوة عزيمتهم صغرت وهمشت الموقف المستهجن للعربي الذي يعتقد أن موقفه كان بناء على علاقته مع طهران.

هذه الخلاصة المجتمعة خلال أسبوعين فقط من عمر الثورة تعطي رسالة مهمة جدا لرؤية التحليل السياسي بأن هذه الثورة لم تعد تقبل القسمة على اثنين وأنها تزحف في مشهد استشهادي مهيب لا يعرف أي لغة ولا قواعد ولا يأبه بحسابات أحد دوليا أو إقليميا أو عربيا.

لم يعد في المشهد سوى هتافات الشعب الخالدة التي كان يرددها هتيف الثورة الشهيد إبراهيم قاشوش الذي خلد التاريخ صوته وسحق صوت قاتليه.. الشعب قرر إسقاط النظام.
Aljazeera

About syrianupdate

We will continue our peaceful revolution against the dictator regime of Asad until the last drop of our blood. The dictator Bashar Asad the president of Syria has killed more than 2200 peaceful and honest people in 4 months and has detained more than 75000 people and we still do not know anything about 15000 people who have disappeared and kidnapped by the regime for the last 4 months. It is a call for all free people in the world to support The Syrian people against the dictatorship and against the genocides which is happening right now in Syria.
هذا المنشور نشر في FTN Syrian Update Breaking News. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s