سوريا.. المذبحة تُسقط النظام

المعرفة – تحليلات – سوريا.. المذبحة تُسقط النظام.

مع مطلع شهر رمضان المبارك كان هناك حراكان بدا أنهما متوازنان في القوة إلاّ أنّ إرادة أحدهما كانت أقوى وأطول نفسا رغم أنّها سلمية تمثّلت بحركة الثورة السورية ونهر دمائها المتدفق, وكان الحراك الآخر وهو من النظام الحاكم شرسا وعنيفا ودمويا لكنه ظهر كالوحش المُنهك الذي اجتمعت عليه أسراب الصغار من أبناء ضحاياه كلما بدأ يطارد ضحية غَرس في خاصرته المناضلون الصغار رمحًا صغيرا يستنزف طاقته ويلوي أقدامه.
وقد تجسّد ذلك فعليا في صورة نظام الرئيس الأسد وعائلته المحيطة به وجهازه الأمني, وبدت هذه الصورة واضحة للمراقب وهو يتأمل مشهد اندفاع الجيش السوري وميلشياته من شبّيحة وغيرهم في ثلاث مذابح متتالية بدأت بحماة فحمص ثم دير الزور وحتى كتابة هذه السطور لا يزال القتل جاريًّا.
ومع ذلك فإن استطلاع المستقبل يبدو بارزًا كشاهد منهجي يتنقل في رصد الثورة السورية ويعطي دلائل على أنّ المذابح الأخيرة كانت أكبر مظهر لترنح النظام وسقوطه.
 
مشروع الشهادة القوة الحاسمة
دعونا نتأمل هذا المنعطف بدقة تقودنا لاستشراف واقعي, فمرةً أخرى تعود بنا الصورة لتأكيد ما ذكرناه من دراسات متتالية عن الثورة السورية وهي أنّ وحشية النظام لا حدود لها ولا نحتاج هنا إلى إعادة ذلك البرنامج المتنوع من القتل وهدم البيوت بالقصف الثقيل، فرمزية ذبح طفل حماة نحرًا كافية وحدها للدلالة على عقيدة قطاع الجيش العقائدي المؤمن برابطه الفئوي مع النظام.
لكن هنا علينا أن نتأمل في الصورة جيدا، فرغم فظاعة المشهد دخل النظام مذبحة حماة الثانية وهو في حال استنفار قصوى وبدأ سلسلة القصف الذي ذهب ضحيته أربعمائة شهيد في الساعات الأولى كسيناريو يستدعي مذبحة حماة الأولى التي تنتهي في تقديره بإخضاع الشعب كاملا وبدء تصفية الثورة السورية, فما الذي جرى؟


أضحى النظام عاجزا عن بسط إرادته على الشعب بل اشتعل جنونه أمام قرار كل شرائح الشعب العمرية وخاصة الشباب الانخراط في حركة فداء

خلال ساعات بل خلال قصف النظام لحماة وأدائه التنفيذي للمذبحة كانت حمص في برنامج العصيان العام وتشهد أحياؤها حركة احتجاج واسعة, ورغم أنّ النظام كان قد بادر باجتياحها عسكريا فإنّ حركة التصعيد الاحتجاجي جاءت قوية في حمص واستطاعت أن تُنظم حركة مشاغلة وهذا هو المهم في خريطة الإنهاك الثوري للنظام في ذات التوقيت لمذبحة حماة, وساعات أيضا صعدت فيها دير الزور وهي من أقوى مناطق المقاومة المدنية للنظام فانتقل إلى دير الزور مع بقاء قواته في حماة.
وخاضت دير الزور معارك فدائية بصدور أبنائها السلميين الذين خرجوا تحت القصف الثقيل في ظهيرة رمضان يتظاهرون ويطالبون بقوة بإسقاط النظام, ثم تحركت الرستن مع بقاء المظاهرات مستمرة جزئيا في حمص وفي دير الزور وقام الجيش أيضا باجتياحها, ثم انتقل التمرد الاحتجاجي الفدائي إلى معرة النعمان وقصدها الجيش والشبيحة… كل ذلك خلال أيام, ولم يتمكن النظام من تحقيق أي نسبة من انتصاره على الثورة بمذبحة حماة الثانية بل فاجأته الثورة في مدن عدة من جديد بحركة فدائية استشهادية أجزم بأنها الأبرز في تاريخ الثورات العربية المعاصرة.

وهكذا أضحى النظام عاجزا عن بسط إرادته على الشعب بل اشتعل جنونه أمام قرار كل شرائح الشعب العمرية وخاصة الشباب الانخراط في حركة فداء لحماة أو لأي مدينة يُركّز النظام على سحقها بحيث تُحقّق الثورة داخلها مدارات انتفاضة ووحدة وطنية تضامنية أسطورية بين مدن القطر انتهت فعليا إلى فشل النظام في آخر وأدّق وأخطر دورة عنف اندفع فيها وهو يعاني من أزمة عنيفة تحيط به من كل الاتجاهات, وخاصة حركة التمرد العسكري للمجندين والانضمام إلى طلائع الضباط الأحرار المنشقة رفضا لسياسة القتل التي أسهمت اشتباكاتها البسيطة في تشتيت حراك الجيش واضطرابه وقد تعرض عدد منهم للتصفية.

أي بالمنظور الإستراتيجي الدقيق فإنّ إفشال الثورة لقرار سحق أي من مدنها وتحولها إلى دورة كفاح سلمي وتنافسهم في تقديم الشهداء حقق في المدار الأخير نصرًا إستراتيجيا هو الذي أعطى رسالة للعالم والمحيط الإقليمي العربي والتركي والدولي بأن لا سبيل لسحق الثورة السورية, حيث آمن المراقبون السياسيون وجهات الرصد الدولي والسياسي بأن قرار هذه الثورة مستقل بإرادة وطنية فدائية لا تخضع مطلقا لأي محاصرة أو ضوء أخضر أُعطي للنظام في كل مدارات الثورة, وأن الإرادة المنتصرة كقراءة سياسية للمراقبين هي إرادة الثورة ميدانيا.

وبالفعل ظهرت آثار هزيمة إرادة النظام بعد جمعة “إن الله معنا” وأضحى مكشوفا إستراتيجيا أمام انتصار الشعب، ففهم العالم الرسالة سواءً كان متضامنا أو براغماتيا مصلحيا وهم الغالبية العظمى.


الروس لا يُبالون بالدماء مقابل مصالحهم, ولكنهم أيقنوا بأنّ سلسلة المجازر التي نفذّها النظام ستعجل بعوامل السقوط

رسائل الثورة تخنق المحيط
ومن الواضح أنّ هذا البعد الذي صنعته الثورة في رسالتها الكبرى قرئ وفقًا للمدار الذي قدمناه وهو أنّ السلاح المركزي للنظام وهو القتل يفشل وبالتالي كان تأكيدًا لهذا المعنى أن تأتي رسالة الفزع من أكثر عواصم العالم دفاعا عنه بعد طهران وهي موسكو.

فهل كان موقف الرئيس مدفيدف شخصيا الذي أعلنه للرئيس الأسد وكأنّه رسالته الأخيرة بسبب تأثّره بدماء شهداء الشعب السوري أو وحشية المجازر؟

الفهم الأولي لطريقة الروس في إدارة علاقتهم مع حلفائهم الذي يدركه كل المراقبين يدل على أن الروس لا يُبالون بالدماء مقابل مصالحهم, وإنّما أيقنوا بأنّ سلسلة المجازر التي نفذّها النظام في حلقته الأخيرة كانت في سياق جنوني يُعجّل عليه بصورة كارثية عوامل السقوط في مواجهته لقوة الإرادة الشعبية, وبالتالي أيقن مدفيدف بأنّ الحليف الأحمق يَهدم بناءَهُ الأخير بيديه فوجّه رسالته لبشار شخصيا منذرًا بمستقبله الحزين.

وآخرون التقطوا الرسالة
وسبق أن أكدنا أنّ تجارب واشنطن الصعبة مع تغير الأنظمة فجأة في العهود الثورية جعلتها أكثر حذرا في انتظار مآلات مصير الأنظمة ولذلك فقد كان إعلانها الأخير، ضمن خطتها في اتخاذ موقف مع المستقبل الجديد.

وبغض النظر عن أي مساع لواشنطن لتطويق مستقبل سوريا الدولة المدنية والحرية الثورية خشية على مصالحها فإنّ تشديدها على فقدان النظام لشرعيته, بدا الرد الأخير على رامي مخلوف وكون استقرار النظام ضامن لاستقرار تل أبيب، فهُنا واشنطن لم تعُد مؤمنة بقدرة النظام على البقاء, أي أنها ترى أنه زائل لا محالة ولم يعد بالإمكان تأمين تل أبيب عبره كما جرى في العقود الماضية, وهنا الرسالة التي تعنينا من تأكيد فقدان الشرعية واتخاذ تل أبيب إجراءات أمنية طارئة تحسبا للمستقبل الجديد. 

تغيُّر الموقف الخليجي
كان لافتا في المشهد العام تغير الموقف الخليجي إضافة إلى محاولة نبيل العربي أمين الجامعة العربية التخفيف من آثار تأييده السابق للنظام السوري بعبارات قلق وتردد, لكن من غير شك أنّ خطاب العاهل السعودي كان الأبرز من حيث سقف إعلانه موقفه من المذابح وتركيزه على مخاطبة الشعب السوري وسحبه سفيره, وإن وجّه الحديث إلى الأسد عن الإصلاح فهي ناحية برتوكولية لا أكثر.


تبني السعودية لموقف صريح يعترف بحتمية التغيير لا يتطابق مع موقفها من الثورات الأخرى ولا مع طريقة تعاطيها الدبلوماسي

إذ إنّ الجميع يعلم أنّ حديث الإصلاح أضحى صفحة من التاريخ الماضي لا أكثر, غير أنّ تبني السعودية لموقف صريح يعترف بحتمية التغيير لا يتطابق مع موقفها من الثورات الأخرى ولا مع طريقة تعاطيها الدبلوماسي, المهم أن تحول هذه الزعامة التي لها مواقف مشابهة في إطار شخصيتها الذاتية أضحى بُعدًا مؤثرا في حركة المشهد الدولي والإقليمي.

ويهمني هنا أن أعيد التأكيد على ما ذكرناه في المقال السابق عن ارتباك الموقف الإيراني الذي هدد الخليج في مقابلة مع الأخبار اللبنانية بتحريك أذرعه فيه ضد الدول الخليجية تضامنا من نظام الرئيس بشار, وذكرنا في حينها أن هذا التصريح خطير ومضطرب ويبدو أنه جاء الآن في الاتجاه المعاكس لرسالة المسؤول الإيراني في الأخبار اللبنانية.
أين سيتوجه برنامج خطاب السعودية الجديد هل سيتحول إلى دعم تنفيذي معنوي وإعلامي وسياسي للشعب السوري أو سيظل موقفا معنويا معلنا, في كل الأحوال كانت رسالة مهمة في توقيتها وذات تأثير سلبي على توازنات النظام وتفسح من خلال العواصم الخليجية مدارات تفاعل شعبي كبيرة مع الثورة السورية.
وفي ذات المسار فإن تطور أحداث الثورة وتوثيق المشاركة الأمنية الإيرانية وعناصر حزب الله اللبناني أصبحَا مؤثّريْن ومقلقين للطرفين، حيث أصدرت طهران وحزب الله بيانات دفاعية عن موقفهما بعد أن كان التضامن مع النظام كليا محل اعتزاز معلن من طهران وحزب الله.
وهذا التضامن مستمر لكن المقصود ضعف موقفيهما أمام توثيق المشاركة الأمنية لهما ضد الشعب وتعزيز الامتعاض الشعبي العربي من مشروع طهران الطائفي وحزب الله ووضعية شراكته مع نظام الأسد, ورغم أنّ هناك من يحاول جر هذا المأزق الإيراني إلى مجمل الحالة في المنطقة لتبرير الدفاع عن النظام وتحديدا خيار سقوطه, فإنّ هذا الجدل هدفه خطير من ناحية إذكاء هذه المشاعر في المنطقة لتخلق حاجز ردع وهمي يحول دون سقوط النظام وكأن كفاح الشعب السوري وحريته قربان فداء على الثورة السورية أن تقدمه بحسب موقف أنصار إيران في المنطقة من المثقفين العرب.

قيادة الثورة والوعي المركزي


التقاطع الذي يتحصّل عليه الشعب السوري إنما هو جزء مشروع للثورة التي واجهت منفردةً خصما طالما لعب بطاقاته لمصالحه على حساب مصالح الشعب

وهذا التقاطع الذي يتحصّل عليه الشعب السوري وينتزعه عبر صموده إنما هو جزء مشروع للثورة التي واجهت منفردةً خصما طالما لعب بطاقاته مع المحيط الإقليمي والدولي لمصالحه على حساب مصالح الشعب.

والمؤشرات القائمة تُدل على إمكانية قيادة الداخل التي أعلنت وأعلنت معها المعارضة الخارجية رفضهم لأي تدخل عسكري خارجي وأثبتت قوتها ووحدتها ومراعاتها لحقوق الطوائف في أكثر الأزمات التي مرت على سوريا الحديثة, في حين كان حليف النظام السوري وهو طهران محطة العبور عبر أرضه وسياسته وثقافته لتحطيم العراق ووحدته الاجتماعية، أفلم يكن أجدى بالمثقفين العرب حلفاء طهران ودمشق وعظ أصدقائهم في إيران بدل التحريض على الشعب السوري؟
مرة أخرى يعيد الزمان دورته مع الثورة السورية وتتحرك تركيا فقط حين رأت قرار الشعب السوري على الأرض فتتضاعف الأحمال على النظام, ولكن هذه العودة باتت في المشهد الأخير من ترنح النظام, والغريب تلك الصورة التي قرأتها في إيمانية الشعب وفعاليات الثورة, بأن شعورهم بأن روح رمضان التي تفاءلوا بها كثيرا رغم الآلام والدماء والفداء تقودهم إلى عيدٍ مختلف هذا العام.. عيد مجيد تلبس فيه سوريا الحرية وتصلي للشهداء وتغني لمناضليها.. قد عادت دمشق عربية قوية من جديد.

About syrianupdate

We will continue our peaceful revolution against the dictator regime of Asad until the last drop of our blood. The dictator Bashar Asad the president of Syria has killed more than 2200 peaceful and honest people in 4 months and has detained more than 75000 people and we still do not know anything about 15000 people who have disappeared and kidnapped by the regime for the last 4 months. It is a call for all free people in the world to support The Syrian people against the dictatorship and against the genocides which is happening right now in Syria.
هذا المنشور نشر في FTN Syrian Update Breaking News. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s